ابن عطية الأندلسي

116

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 30 إلى 32 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قال معمر بن المثنى : « إذ زائدة ، والتقدير وقال ربك » . قال أبو إسحاق الزجاج : « هذا اجتراء من أبي عبيدة » . قال القاضي أبو محمد : وكذلك رد عليه جميع المفسرين . وقال الجمهور : ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال ، وأيضا فقوله : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً الآية ، يقتضي أن يكون التقدير وابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة ، وإضافة رب إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ومخاطبته بالكاف تشريف منه له ، وإظهار لاختصاصه به ، والملائكة واحدها ملك أصله ملاك على وزن مفعل من لاك إذا أرسل ، وجمعه ملائكة على وزن مفاعلة . وقال قوم : أصل ملك مألك ، من ألك إذا أرسل ، ومنه قول عدي بن زيد : [ الرمل ] أبلغ النعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري واللغتان مسموعتان لأك وألك ، قلبت فيه الهمزة بعد اللام فجاء وزنه معفل ، وجمعه ملائكة ، وزنه معافلة . وقال ابن كيسان : « هو من ملك يملك ، والهمزة فيه زائدة كما زيدت في شمأل من شمل ، فوزنه فعأل ، ووزن جمعه فعائلة » وقد يأتي في الشعر على أصله كما قال : [ الطويل ] فلست لإنسيّ ولكن لملأك * تنزّل من جوّ السماء يصوب وأما في الكلام فسهلت الهمزة وألقيت حركتها على اللام أو على العين في قول ابن كيسان فقيل ملك ، والهاء في ملائكة لتأنيث الجموع غير حقيقي ، وقيل هي للمبالغة كعلامة ونسابة ، والأول أبين . وقال أبو عبيدة : « الهمزة في ملائكة مجتلبة لأن واحدها ملك » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : فهذا الذي نحا إليه ابن كيسان . و جاعِلٌ في هذه الآية بمعنى خالق ، ذكره الطبري عن أبي روق ، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد . وقال الحسن وقتادة : « جاعل بمعنى فاعل » .